الأربعاء، 20 مايو، 2009

الحقيقة العلمية لفيروس «انفلونزا الخنازير»


الحالة العصبية التي تشغل المجموعات العلمية والطبية في العالم بدأت منذ الإجهاد الذي سببه تفشي فيروس الانفلونزا الجديدة التي اتخذت لها بعض التسميات منذ أبريل الماضي ولكنه استقر على «انفلونزا الخنازير» بدعم وتوافق ما بين أجهزة الإعلام. العلماء لا يكادون يستقرون على الجزم في انتقاله ما بين البشر (محاولين عدم الخوض في الأنباء والتصريحات التي تصدر عن غير المتخصصين)، لكن ولسبب ما، تمت إمالة المصدر نحو المكسيك، في حين ان الحالة الأولى اكتشفت في الولايات المتحدة، ويبدو ان المكسيك تلقت الذنب في هذا المرض الغامض لكون الإصابات المسجلة فيها كانت أكثر.
ان ما يقلق المؤسسات الصحية هو تحول هذا المرض الغامض إلى وباء والأكثر من ذلك أن يكون الفيروس قاتلا. فمعدلات انتشاره قد تكون من مهام منظمة الصحة العالمية وكذلك متابعتها وحصرها ضمن «الأوبئة التاريخية» التي ضربت العالم على مرّ العصور، لكن العالم العلمي والطبي له دقته وطريقته في التعامل مع هذه المتاعب.
منحنى الوباء
وبالرغم من أن منظمة الصحة العالمية تحاول طمأنة الرأي العام في أن تفشي الفيروس «معتدل نسبيا» و«أقل من قاتل»، فإن ذلك لم يمنع عالما متخصصا مثل ريتشارد بيسر من التصريح في أن ما يحدث في وقت لاحق من هذا العام سيحدد صعود منحنى انتشار الفيروس أو هبوطه، مشيرا إلى أن هذا المنحنى قد يتغير خلال الأشهر القليلة القادمة وربما يحمل أخطارا جديدة.
تشكيل الفيروس
علماء آخرون أكدوا على أن فيروس «انفلونزا الخنازير» تشكل من أربعة فيروسات، لكنه يستوطن كمرض واحد في البشر، واقترح أحدهم المكتشف بعد ظهور انفلونزا الطيور بينما أحدها موروث من الخنزير الذي اتفقوا على تسميته «آر أن أي».
وهذا بطبيعة الحال تحليل تمهيدي اتخذ مراحله التجريبية التالية:

1_ أحد الفيروسات reassortant الثلاثية عرفتها أميركا الشمالية في 1998. وبدخوله في سياقه التاريخي، فان العلماء يخمنون تأثيره على 5-15% من سكان العالم، وقد يسبب نصف مليون وفاة في العام، وسيتعرض لخطره بنسبة أكبر: الأطفال والمسنون والمصابون بأمراض مزمنة.

2_ ان متابعة تاريخ الفيروس تؤكد على أنه تسبب في ثلاثة أوبئة عالمية رئيسية في القرن العشرين: الإنفلونزا الإسبانية في 1918، الحُمى الآسيوية في 1957 وانفلونزا هونك كونك في 1968 - 1969. هذه الأوبئة كان سببها الإنفلونزا أي الفيروس الذي يمر بالتغييرات الوراثية الرئيسية وتصيب البشر الذين لا يملكون المناعة ضده.

3_ التأثيرات العامة لهذه الأوبئة تهدد أحيانا بشكل وهمي، كما حدث تهديد لوباء مزيف عام 1947، وتفشي إنفلونزا الخنازير 1976 والإنفلونزا الروسية عام 1977 الروسية والتي كانت كلها بسبب فيروس «أتش 1 أن» وهو الفيروس الفرعي من الذي يدور الحديث عنه حاليا.

4_ كلنا يعلم مستوى الإنذار العالي الذي سببه فيروس «أس أي آر أس» في جنوب شرق آسيا والذي جرى الحديث عنه بتسمية «انفلونزا الطيور» وكيف كانت الاستعدادات والضحايا الذين يتساقطون بالتدريج رغم الضجة الإعلامية العالية ومع ذلك بقيت مسألة انتقال الفيروس ما بين البشر غير معرفة علميا ولم يظهر عالم واثق يؤكدها أو ينفيها، أو تتلقى نظريته القبول من المجموعة العلمية العالمية.

5_ لغاية هذه اللحظة، لم تتجرأ مجموعة علمية أو مختبر متخصص وتنشر مخططا لوغاريتميا يرشد منظمة الصحة العالمية حول انتشار المرض «الجديد»، لتكتفي هذه المؤسسة المسؤولة عن صحة سكان الكوكب بالتقارير الإعلامية غير المتخصصة.

6_ أغلب الأحاديث في البداية دارت عن «فيروس مجهول»، رغم أنه– وحتى بالاستعانة بأرشيف منظمة الصحة العالمية– قد رصد في سبتمبر 2008 من قبل مختبر «سي دي سي» بعد إصابة طفلين به في مقاطعة سان دياغو، وبعد أيام قال المسؤولون في صحة كاليفورنيا، ان أيا من الطفلين لم يكن له أي اتصال بـ «الخنازير».

فيروس المكسيك

قواعد اللعبة في الإعلام تختلف إلى حد كبير عنها في العلوم أو حتى في تاريخ العلوم، لدى الصحافيين مادة عن ظهور الإصابات واندفاعها في المكسيك ولديهم رئيس جمهورية هذا البلد يعلن حالة الاستنفار بنفسه وفصول الإنذار تتعاقب بافتتاح مراكز مكافحة ومنع تفشي الفيروس ودخوله واتساع مجال نفوذه في بلدان أخرى، في وقت يؤكد فيه وزير الصحة المكسيكي خوزيه أنغيل رودوفا على «أننا نتعامل مع فيروس إنفلونزا جديد»، ويشير إلى أن ظهوره سجل في فبراير (إعلن في أبريل) بعد فحص نباتات الـ Smithfield التي تتناولها الخنازير، في وقت لم يقبضوا على خنزير واحد في المكسيك متلبس بالفيروس!
حقائق أخرى
ان حالة الوفاة الأولى التي سجلت بسبب «إنفلونزا الخنازير» كانت في 13 أبريل في المكسيك لمريضة في السكر عانت من متاعب في جهازها التنفسي. وبعدها تحدثت التقارير عن وجود 152 وفاة محتملة، غير أن منظمة الصحة العالمية استلمت تقارير 7 وفيات فقط وتم نفي الأرقام السابقة، ولم تصل للمنظمة أي عينات للمتوفين لكي يتسنى لها التحقق من أسباب الوفاة ودراسة تطور الفيروس!


تفاؤل غير مثبت
يخمن الخبراء أن انتشار انفلونزا الخنازير قد يتباطأ (لاحظوا عدم الدقة العلمية في العبارة «يخمن» و«قد» وهي مستعارة من تصريح واحد من أهم الخبراء في هذا المجال والمعروف ببحوثه في مجال انفلونزا الطيور البروفيسور غاري فرنانديز الذي استعان بمواهبه وزير الصحة المكسيكي بتعاون مع جامعة قرطبة الإسبانية). ولفرنانديز عناصره المثيرة في تحليل انتشار الفيروس، فهو يقول ان الرطوبة العالية في الصيف والزيادة في التعرض إلى الأشعة فوق البنفسجية تكوّن المجال الخصب والنموذجي لتفشي الفيروس وبما أن شهر مايو مشهور في الجفاف لاسيما في المكسيك، فيمكنه زف بشرى انحساره، لذلك قال «قد يتباطأ». ولكن إذا كان فصل الجفاف قد حل هذا الشهر في المكسيك، فماذا عن نصف الكرة الأرضية الجنوبية التي ستعاني من الرطوبة مثل نيوزيلندا، استراليا، نامبيا، جنوب أفريقيا وأغلب أميركا الجنوبية، فهل سيهاجر الفيروس إلى نصف الكرة الجنوبي؟
الترابط غير معروف
بعد فحوصات عديدة للحالات المشكوك في إصابتها بإنفلونزا الخنازير في المكسيك وكاليفورنيا وتكساس، لم يجد العلماء أي ترابط معروف مع حيوان بعينه، والمثير أن الجينات قادت العلماء إلى أن «الفيروس الجديد» احتوى على فيروسات مختلفة أربعة هي: إنفلونزا الخنزير الأميركي الشمالي، إنفلونزا الطيور الأميركية الشمالية، إنفلونزا الإنسان وأخيرا إنفلونزا الخنزير الآسيوي. وبين التحليل الجيني أن بروتين الفيروس مشابه كثيرا لإنفلونزا الإنسان، وهذا تفسير لكون الإنسان يتعرض أكثر من غيره من «المخلوقات» لأعراض المرض الحادة.
تغير طبائع الفيروس
على أي حال، يراهن علماء من جامعة هونغ كونغ على أن الفيروس الجديد قد يغير من طبائعه، لكونه «غير مستقر»، بمعنى؛ أنه قد يخلط ويبدل مادته الوراثية بالاعتماد على فعالية الفيروسات الأخرى التي تشكل منها. وبكلام اكثر دقة: أن فيروس «أتش 1 أن 1» و«أتش 5 أن 1» (الخنازير والطيور) غير مستقرين «جدا» لذلك تكون فرصة تبادل مادتهم الوراثية أعلى، رغم أن معدل الوفيات في فيروس الطيور يصل إلى 60 – 70% وهذا ما يقلق العلماء أكثر في أن الفيروس المتكون سيكون هجينا وقد يلاقي موطنا له في الصين وأندونيسيا وفيتنام ومصر وماليزيا وسنغافورة وكوريا وتايلند.