الأربعاء، 7 يناير، 2009

عام 2008 تفوق على كل الأعوام بثانية واحدة.. فما السرّ؟


انتهى عام 2008 من دون أن ينتبه أي منا الى أنه أطول بثانية كاملة وبطولها وعرضها من الأعوام التي سبقته. مثل هذه الأمور تمر علينا كأي خبر طريف نملك حرية تصديقه أو التسامر بشأنه، لكنه بالنسبة للعلماء لا يأخذ أبعاده العاطفية أبدا، فالثانية في المقاييس العلمية زمن ليس بالقليل فهي كافية لأن تنهي كواكب برمتها، كالأرض وتنقل جزيئات الضوء مسافات شاسعة بالمقاييس «الدنيوية» وهي بالفعل قضية حياة أو موت كما اعتبرتها العديد من مراكز البحوث في العالم.

عناصر الوقت
كانت الأمور قبل اختراع «الساعة الذرية» صعبة على العلماء لقياس «الزمن الكوني» وكانت المقاييس العملية لقياس الزمن في الأرض تحددها وحدات الوقت حسب التوقيت العالمي المنسق Coordinated Universal Time بالاتفاق، فيما اليوم توجد حوالي مائتان ساعة ذرية في أكثر من خمسين مختبراً تابعاً للدول التي يعتبرونها كبرى في الكوكب.القياسات أثبتت أن متوسط اليوم في التوقيت الشمسي يزداد طولا كل 500 يوم ويطول ثانية كاملة كل 50 ألف سنة وهي النسبة المتوسطة التي أخذت في نظر الاعتبار ارتفاع مستوى كندا واسكندنافيا بعدة امتار منذ العصر الجليدي الأخير. لذلك، ان ما حصل في عام 2008 لم يكن اختلافاً يخص هذا العام تحديدا، بل هو نتيجة تراكم لاختلاف لفترة زمنية امتدت طوال سنوات القرن العشرين الأخيرة بمعدل 1/500 ثانية، لذا تجمعت الثانية بعد حوالي 500 يوم.

ما التوقيت العالمي المنسق؟
توقيت الـ UTC وهو مختصر «التوقيت العالمي المنسق»، صار مقياسا لما يطلقون عليه «التوقيت الذري» ويستخدم بدوره ثانية متفقاً عليها معروفة، حسب معايير «التوقيت الذري الدولي» TAI وفي حال تراجع سرعة الأرض تتم اضافة «ثوانٍ كبيسة». بمعنى أوضح، ان أي اضطراب في دوران سرعة الأرض يتم تلافيه من ناحية الزمن، بحيث يتوافق الـ UTC مع الـ TAI الى حده الأعلى وعندها يظهر توقيت Z أو «زولو» وهو الناتج عن التدخل المعياري بين التوقيتين.
ما الثانية الكبيسة؟
توقيتنا العالمي المنسق يستند على التقويم «الجورجياني» الذي يقسم اليوم الى 24 ساعة، والساعة الى 60 دقيقة والدقيقة إلى 60 ثانية، وهكذا اعتدنا التعامل مع التوقيت بحيث نعيش يومنا مستغرقين فيه 86400 ثانية. لكن تمر بنا أيام لا نلحظها دائما تحتوي دقيقتها الأخيرة على 59 ثانية وربما 61 ثانية هذه الثانية الحرجة والمشاكسة التي تحذف أو تضاف يسمونها «الثانية الكبيسة»، وليست بالضرورة مرتبطة بسرعة دوران الأرض في ذلك اليوم أو العام، بل هي محاولة لتقريب الوقت العالمي وتوحيده في أغلب الأحيان من قبل الهيئة الدولية لدوران الأرض والنظم المرجعية IERS المسؤولة عن التنسيق بين التوقيتات المذكورة التي باشرت نشاطها منذ عام 1972 لتشرف على التعديلات في حجم الثانية بمراقبة حالة الأرض وما حولها من تأثيرات كونية.

توقيت غرينيتش
والهيئة الدولية لدوران الأرض والنظم المرجعية IERS طالبت أخيرا بإلغاء الساعة المعقدة التي لا تزال تحمل مرصد القرن السابع عشر الملكي في أكثر المواقع أهمية في العالم، التي يسمونها ساعة غرينيتش (توقيت غرينيتش أصبح المعيار العالمي للتوقيت في المؤتمر الدولي المنعقد في عام 1884 ) بعد الثورة التي أحدثتها «الساعة الذرية» في ضبط الوقت. ويقول بعض العلماء ان الأوان حان لاستبدال توقيت غرينيتش بالتوقيت الذري الدولي لأن التكنولوجيا الجديدة سمحت للوقت الذري بحساب دقات «النانوسيكند». وربما ستظهر قريبا الساعات الشخصية التي تحمل مؤشر النانوثانية، وهي موجودة على نظاق محدود جدا وسعرها 40 ألف دولار. يقول بعض علماء توقيت غرينيتش: الآن يجب أن يستبدلوا بالوقت الذرّي الدولي — حسب خارج باريس — لأن التقنيات الجديدة سمحت للوقت الذرّي بدقّ تخلص من أسفل الى دقة النانوسيكند.وبالمناسبة، فان العلماء في لندن هم الذين قرروا اضافة الثانية الأخرى لعام 2008 للتعويض عن تباطؤ دوران الأرض. أما القفزة التي أحدثها المرصد الفلكي في غرينيتش منذ عام 1972 والتعديلات التي طرأت على التوقيت، أبقته معياراً مقبولاً عالميا.
أسوأ سنة اقتصادية
والمسألة قبلت التندر الإعلامي ورسومات الكاريكاتير التي ألقت كاهل الثانية التي تأخر فيها عام 2008 الى أسوأ سنة اقتصادية عاشها العالم منذ سنوات الكساد العظيم. الجميع في هذه المداعبات ألمحوا الى أنه لا يمكن النظر الى الثانية كمجرد ثانية، انها لا بد أن تكون اشارة الى شيء أعظم.
جمود الزمن
الجمود الزمني لم يكن ملحوظا بالنسبة للأجيال الانسانية على مر العصور، وحينما كانت الشمس أساس التقويم الانساني منذ عشرات الآلاف من السنين لغاية ظهور أهم مرصد متخصص في هذه المسألة في سانتا كروز فان الساعة ينبغي أن تقارب الـ 12:00 عندما تكون الشمس في أعلى موقع في السماء. أنصار «الوقت الذري» يجادلون في مسألة القفزة التي أحدثتها هذه الثانية العجيبة، لأن أحدا لا يمكنه التكهن بالسرعة المضبوطة لدوران الأرض ولا يمكن التخطيط لها مسبقا وسواء شاءوا أم أبوا كان عليهم اضافة الثانية في آسيا، مثلا أضافوها في منتصف اليوم الأخير لعام 2008.
متاعب الثانية الزائدة
إن هذه الثانية خطيرة بكل المقاييس، لأنها ستشتت عمل الأقمار الاصطناعية ومنظومات الطاقة والاتصالات وشبكات الانترنت وبرامج الموبايلات ومنظومات الملاحة «جي بي اس» ولم يكن ثمة مناص من اهمالها واضافتها على أوقات مختلفة. المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا في كولورادو زود معيار الوقت للحواسيب الضخمة عبر الولايات المتحدة في الخامسة مساء يوم 31 ديسمبر 2008، وكان ينبغي أن يظهر شخص أو منظومة تكون على حق في وقت الأزمات.
متى سيزيد العام ثانية أخرى؟
في وقت ما من القرن الثاني والعشرين سيقفز الزمن ثانية واحدة وتلي ذلك في القرن الخامس والعشرين يرى العلماء أنه ستتم قفزة بمقدار 4 – 5 ثوان. وفي هذا القرن حسب المستقبل المنظور، فان القفزة القادمة ستكون عام 2013 وبدأت المؤسسات الاذاعية وشركات الاتصال والطيران والانترنت التهيؤ لهذه القفزة.
ما الوقت الذرّي؟
ولكي يدرك العامة ماهية الوقت الذري لكي يكونوا معه أو ضده، فهو مقياس للوقت استند على تردد مقداره 9,192,631,770 هيرتز تحدده الساعات الذرية بفضل قياسها عناصر الهيدروجين والروبيديوم والثانية سيحددها الوقت الذي تمضيه مليارا دورة اشعاعية بين المستويين المداريين شديدي الدقة، لذرة السيزيوم 133 وهذا الوقت الذي يسجله شعاع السيزيوم يسمى الوقت الذري. (السيزيوم أحد النظائر المشعة). الاكتشاف الأول له كان عام 1967 وأعيد تعريفه عام 1972 وأصبحوا يطلقون عليها الثانية الذرية.
كيف تعمل الساعة الذرية؟
ولعل ساعة شعاع السيزيوم تعمل ويستقر وقتها استنادا الى سلوك الذرات والتردد الدقيق الذي يسمح لها بالمرور من حالة طاقة الى أخرى. والسيزيوم عادة ما يكون ساخنا في الفراغ وينتج الغاز ويفصل ما بين ذراته حقول مغناطيسية ذات طاقة عالية، عبارة عن إشعاع يتحكم في ذبذبة الارسال بسيطرة من بلورة الكوارتز حتى تصل الاشعاعات بشكل مؤمن الى الكاشفات التي تسجل الوقت. هذا النوع من الساعات كما يقولون، يفقد أو يكسب ثانية واحدة كل مليون سنة!
أين يستخدمون الساعات الذرية؟
في هذه الأثناء يستخدمون التوقيت الذري والساعات الذرية في المرصد البحري الأميركي وفي بعض المختبرات الأميركية ذات المهام الخاصة وفي المختبر الوطني للفيزياء في بريطانيا ومراكز بحثية في فرنسا وروسيا واليابان وألمانيا.
الانتقال الى الزمن الذري
لكن ما يميز المجتمع الفلكي الأميركي حياده الرسمي أمام الاقتراحات في نقل الوقت ليصبح ذريا، ولكن الصعوبة في تهيئة الساعات الذرية عبر كل المناطق في العالم، الذي يملك 200 منها أغلبها في مختبرات ومراصد الولايات المتحدة. كما أنها مسألة ثقافية جوهرية، أن يترك الانسان بعد عشرات الآلاف من السنين التوقيت الشمسي ليلجأ إلى التوقيت الذري الذي لا يفقهه العامة الذين ينظرون الى الشمس ويدركون الوقت التقريبي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق