الخميس، 22 يناير، 2009

الطاقة المظلمة

تنشغل العديد من المجموعات العلمية في جامعات عريقة وتستمر المجلات المتخصصة في نشر هواجسها التي انتقلت إلى علماء الفلك منذ اوقات عالم الفلك كوبرنيكوس الذي أعلن عام 1543 أن الأرض لم تكن يوما مركزا للكون، مسقطا الفكرة القديمة بعد إثباته لقانونه العلمي.وبالرغم من أن قانون كوبرنيكوس كان أحد لبنات علم الكون الحديث، فان العلماء المعاصرين يريدين اثبات «الحصة الاستثنائية» للأرض بالنسبة للمجرة ولاسيما موقع كوكبنا. ولسوء الحظ، فان كل الطرق للمتخصصين في علم الكون شبه مسدودة ، لأنه لم يظهر أن أحدا منهم استند إلى نظرية أو إثبات قاطع يربك اعتقادات كوبرنيكوس. وفي أواخر التسعينات اقترحت بعض الدراسات وضع الأرض بالقرب من مركز ما اسموها «الفقاعة» التي عادة ما تكون فارغة، مشبهين الكون بهذا التشبيه الممتع القريب من خلق الوهم.
النظرية الباطلة
ويحاول اليوم فريق من الفلكيين تقديم ما أطلقوا عليها «النظرية الباطلة» مختبرين بيانات حديثة للموجات الدقيقة الخلفية للإشعاع الكوني، راسمين تموجات واسعة النطاق لتقديم نماذج لشرح الحالة الراهنة للكون.هذه النماذج يحاولون من خلالها تفسير «الطاقة المظلمة» (أول من أطلق عليها هذه التسمية مايكل ترنر في 1998) التي طالما كانت لغزا محيرا لعلماء كل العصور، بينما اعتبرها الفريق الحالي المسؤولة عن التسارع الآخذ بالازدياد لتمدد الكون. أين نقف كسكان للأرض بناء على «نظرية الفراغ»؟ وهل تنتصر «الطاقة المظلمة» في نهاية الأمر؟! الامر كله يسير حسب الترتيب الغامض حتى في كل ما يشع حولنا، ولعل المريخيين يحدقون بنا مباشرة وينتابهم التفكير نفسه عنا وعن أنفسهم. وإذا كنا مصرين على امتلاك الأرجحية في التفكير على باقي مخلوقات الكون، فالحقيقة لابد وأن تأتي من الظلام أو الفراغ.
الطاقة المظلمة
في عددها المؤرخ في 28 ديسمبر 2008 تؤكد المجلة العلمية المرموقة Science Daily ما توصل إليه العلماء قبل 10 سنوات في أن الكون يتمدد فعلا وتعجيله يتزايد، وأن القوة التي تدفع الكون إلى التمدد لا تزال لغزا ولأنها كذلك أعطوها تسمية: «الطاقة المظلمة». هذه الطاقة تعرفها الموسوعات كأحد الأشكال الافتراضية للطاقة الموجودة في الفضاء، إلا أن ضغطها سالبا، الأمر الذي يجعله العادل لقوة معاكسة للجاذبية في المقاييس الكبيرة. والضغط السلبي اقترحه ألن غوث في السبعينات كمفهوم مماثل للطاقة المظلمة وكتب عن الكون المتضخم. ويفترض لو كان ثمة تضخم في الكون، فهناك قوة دافعة (بشكل نوعي مشابهة للطاقة المظلمة) تؤدي إلى التوسع الهائل في الكون. ولعله أسهل تفسير ظهر حتى الآن لتمدد الكون، طالما أنه يشرح ماهية الكتلة الضائعة في الفضاء. لكن هل «الطاقة المظلمة» حقيقية؟ وهل كوننا يتمدد حقا؟ هذه الأسئلة وما حولها تتسارع أيضا في العديد من الفرق العلمية حاليا ولا تخلو مجلة علمية متخصصة من التطرق إليها أو نشر ورقة بحثية في هذا المجال، وواحدة من ميزات هذه الأبحاث أنها عبارة عن تواصل منطقي لمسألة تخص أيا منا. فلو أهملنا «الطاقة المظلمة»، فلابد من العثور على تفسير يوضح سببية التسارع في تمدد الكون، ولماذا يفكر العلماء على أن كوننا يتمدد وسيطرت هذه الفكرة على عقولهم في العقد الأخير؟

كشافات النتائج
لدينا آلات للتصوير الفلكي الدقيق تلتقط الانفجارات اللامعة الهائلة البعيدة جدا عن الأرض (ساهم تلسكوب هابل التابع لـ «ناسا» بقدر كبير من هذه الصور)، أما الفلكيون فمصرون على أن الكون منذ ظهوره الأول قبل 13،7 مليار سنة وهو آخذ بالتوسع. ولم يؤكدوا فيما إذا كان هذا التوسع يسير بوتيرة ثابتة أم أنه يتباطأ أحيانا. لكن بفحص المليارات البعيدة للكواكب على مدى السنوات الضوئية البعيدة، بإمكانهم حساب تصرفات الكون وقابليته على التوسع.هذا الفحص أعطى نتائج زادت من الحيرة والبحوث الرائدة التي لم تهتم للمعتقدات السابقة أشارت إلى أن الكون في حالة التعجيل وقد يكون أسرع وأكبر مما هو متوقع.
أرقى الجامعات مهتمة
فلكيون من جامعة مينيسوتا أبلغوا عن عثورهم على «فراغات» تمتد عبر مليار سنة ضوئية، بمعنى أدق، كالضوء الذي اتفق على أنه أسرع مادة في الكون. الباحثون في مركز «فيرمي» الفضائي – الفلكي قالوا ان هذه الفراغات قد تقع بيننا ولكي نشاهدها ينبغي ابتكار عدسات خاصة. وإذا كان الأمر كذلك، فان النجوم التي تنفجر بعيدا عنا، قد تتمدد قريبا منا ولعلها التي تمنح الطريق إلى «الطاقة المظلمة». علماء جامعات: كورنيل، إيثيكا ونيويورك ينظرون مباشرة إلى جوهر النظرية وادعوا عثورهم على «فتحات»، ليس بعيدا عن افتراض مجموعة "فيرمي" التي اعتبرتها «باقة فراغات» موزعة بطريقة عشوائية كمنظر الجبن السويسري الذي تتخلل كتلته الفراغات، غير أن هذه الفراغات – للأسف - غير كافية لتوضيح مبدأ «الطاقة المظلمة».

الكون الخادع
المحترفون في طرح الألغاز العلمية، مدركون جدا أن للكون فرصا كافية لأن يخدع الإنسان وتفكيره، أما الإنسان، فبطبيعته؛ يزاول ترتيب أفضل النماذج لتفكيره. أما تلك الأفكار الفظيعة التصديق والتي يطلقون عليها الأوهام، فدائما تجد من يبعدها عن المبالغات في التفكير. واحدة من الأفكار الفظيعة، هي أن الفراغ يخلق كما تخلق المادة والفراغ هو الكفيل بتسارع تمدد الكون (المادة)، وحدث أن نظامنا الشمسي وجد نفسه في منتصف هذا الفراغ. وفي الكوسمولوجيا ثمة أشكال افتراضية عديدة للطاقة وفي النموذج القياسي فان ثمة من قاس «الطاقة المظلمة» معتبرا إياها تمثل 74% من الطاقة الكلية للكون. والشكلان المقترحان للطاقة المظلمة هما: كثافة ثابتة تسد فراغا بتجانس وكثافة يتفاوت مقدارها بمرور الوقت، الأولى تشكل الكوسمولوجيا الثابتة والثانية المكافئ المادي لطاقة الفراغ.
المعايير العالية
ولغرض فهم توسع الكون، يتطلب وجود معايير عالية الدقة وفهما للمعادلة الكوسمولوجية للحالة وما يجري حاليا من بحوث لا تتعدى الملاحظات التي أفضل ما تملكه التريث وليس الإثبات. ففي مختبر لورنس بيريكلي درسوا كثيرا انفجار النجوم والكويكبات واستندت مقاييسهم إلى الخلفية المايكروفية للكون وهي قيمة مطلقة أيضا، فقد كانوا يقيسون المسافة لأي جسم في الكون بناء على نسبة سطوعه أو مقدار ما يظهر منه وهو تخمين بحاجة إلى مصالحة مع هندسة الفضاء. وبما أنهم اكتشفوا أو قاسوا الطاقة في الكون على أنها تعادل 30% من الكثافة الحرجة، تركوا الـ 70% المتبقية إلى «الطاقة المظلمة» التي هي في حقيقة الأمر: مسألة مظلمة حتى الآن.وهكذا، فإن طبيعة «الطاقة المظلمة» مخمنة ، ومن الصعب تخيل قياسها في المختبرات كما يجري الحال مع الجاذبية وطاقة الإجهاد، فالحديث يجري عن «ضغط سلبي» مسؤول عن توسع الكون. والذين افترضوا أن هذا الضغط السلبي يمدد الكون، فأي ضغط يجعله ينكمش أو يتقلص بفعل «نفور الجاذبية» بناء على النسبية العامة لآينشتاين؟

أسئلة المصير
ان تاريخ الفيزياء طالما حمل الأسئلة المحيرة، لكن الأكثر حيرة منها على الإطلاق كانت الافتراضية منها، وإذا كانت أكثر نظريات الفيزياء الجزيئية تقلبا تشير إلى أن الفراغ يعطي هذا النوع من الطاقة اعتمادا على أن الجزيئات الافتراضية تمنع التشكيل الهندسي لكون ثابت، فإن لهذا الكون «الثابت» نظيرا له ضغط سلبي يمكن معالجته بالديناميكا الحرارية الكلاسيكية، التي تقول ان الطاقة تفقد من هنا لتعمل هناك. ولأن الطاقة في صندوق على سبيل المثال «الكون» تزيد، فلابد من حجم الصندوق أن يزيد أيضا. وهنا يمكن إدراك دور طاقة الفراغ سواء كانت ثابتة أم سلبية لأن ذلك يعتمد على الفضاء والزمن.
صدف الكون
ويطرح السؤال الخاص بالصدف الكونية: متى بدأ الكون يتمدد؟ وهل أن هذا التركيب بدأ مع تشكل المجرات والحياة التي نعرف جزءا بسيطا منها؟ مقترحو مبدأ الانتروبيا anthropic ينظرون إلى هذه الأسئلة كداعم لحججهم. لكنه ليس بذلك الأسلوب الذي تقتفى بواسطته النتائج العلمية، فقياس كثافة الإشعاعات لا يعني بالضرورة التوصل إلى مقدار "الطاقة المظلمة" وماذا لو عولنا على الفرق العلمية التي تسميها «الطاقة الشبحية» التي تزداد مع الزمن (أنصار الطاقة الحركية) التي لا تملك شكلا قياسيا، فإن التمزق سيكون كبيرا بين فيزيائيي الأرض الواحدة.

أفكار بديلة
بعض العلماء النظريين يعتقدون أن «الطاقة المظلمة» و«التعجيل الكوني» دليلان على «الفشل الكبير» لنظرية النسبية العامة لآينشتاين، لأن قانون الجاذبية الذي يعمل جيدا في النظام الشمسي يجب أن يعمل أيضا في باقي مجرات الكون. وهكذا طرح عدد من المختصين في الفيزياء الجزيئية مثل ليونارد سيسكند وبول ستينهارت من جامعة ستانفورد أفكارا بديلة فيما أطلقوا عليها «نظرية الخيط» ومبدأ التصوير المجسم ونشروها في مجلة «الطبيعة»، وملخصها أن لطاقة الفراغ قيما مختلفة منتقدين نظرية الطاقة المظلمة وإهمالها للتأثيرات الجانبية لكثافة الفراغ. وبعد بضعة أعداد قدم الفيزيائي بول غوف في المجلة نفسها، انتقاداته لهذه النظرية، مشددا على أن معرفة «الطاقة المظلمة» توضح الحالة في الكون وتمنح المزيد من المعلومات التي تفك أسراره.
التوسع قديم
تخمينات الكوسمولوجيون تنحصر في أن تعجيل تمدد الكون، بدأ قبل 5 مليارات سنة وعلى نحو بطيء بسبب التأثير الجذاب للطاقة المظلمة. واعتقدوا أن حجم الكون يتضاعف في الوقت الذي تقل فيه كثافة الفراغ، غير أن هذه التخمينات واجهت المتاعب لدى أولئك الذين اعتبروا أن كثافة الطاقة المظلمة لا تتغير تقريبا. وماذا لو استمر التمدد بشكل غير محدد، هل سيعني ذلك أن تلك المجرات الواقعة خارج supercluster ستتحرك إلى ما بعد الأفق الكوني، وبالتالي ستكون غير مرئية، لأن ابتعادها عن سرعة البصر سيكون أكبر من سرعة الضوء. وهذا الانتهاك الأساسي لنظرية النسبية الخاصة. ففي الحقيقة ليس هناك طريقة لwتعريف حتى «السرعة النسبية» في الـ spacetime . لأن السرعة والسرعة النسبية يمكن فقط أن تعرّفا بشكل ذي مغزى في حالة عدم تغيير الـ spacetime أو أن تكون صغيرة بما فيه الكفاية (متناهية في الصغر). ويبقى غير ملموس عمليا أن الكون ينحسر أو يتمدد بحسب هذا السيناريو، لكن من غير المستبعد أنه سيعاني من الموت الحراري في النهاية، وهذا ما بدأت بوادره تظهر منذ ربع قرن.

الطاقة الشبحية
بعض العلماء يقتربون إلى أن «الطاقة الشبحية» تتسبب في توسع الكون وهي القوة الفعالة للطاقة المظلمة، وهي مستمرة في النمو حتى تسيطر على كل القوى الأخرى في الكون. وبناء على هذا السيناريو، فإن الطاقة المظلمة تنظم وضع المنظومة الشمسية مع باقي المجرات بتغلبها على الطاقة الكهربائية والنووية التي تحاول تدمير الذرات وإنهاء الكون.بعض السيناريوهات، مثل النموذج الدوري يقترح مثل هذا الكلام، بينما هذه الأفكار ليست مدعومة بأدلة وتبقى درجتها العلمية مساوية للملاحظات، علما أن أنصارها لم يستثنوا مقاييس التعجيل الحاسمة التي تقرر المصير النهائي للكون في نظرية الانفجار العظيم.
الكون الساكن لآينشتاين
الثبات الكوسموبولتي اقترحه أولا آينشتاين كآلية للحصول على حل مستقر لمعادلته في الجاذبية التي تؤدي إلى كون ساكن. ولم يفصح عن كامل معلوماته ودراسته للطاقة المظلمة التي وضعها عمليا كموازن للجاذبية. العلماء المعاصرون لا يؤمنون بكون آينشتاين الساكن، ولا بموازنته المستقرة لأن هذه الطاقة إما أن تؤدي إلى توسع منفلت أو انكماش مؤذٍ، وهذا التوسع أو الانكماش سيصدر طاقة الفراغ. هذا الاضطراب حتمي بسبب التوزيع غير المستوي لكل شيء في كل أنحاء الكون، فملاحظات أدوين هابل بينت أن الكون يتوسع وهو ليس ساكنا بشكل مطلق، فنظرية الكم أثبتت أن المجالات مختلفة وأن المجال الكهرومغناطيسي لديه قيمة في كل نقطة في الفضاء. وبالمناسبة أشار آينشتاين إلى فشله بشكل علني بعد أن مال إلى فكرة الكون الديناميكي، وترك فكرته غير المؤسسة على إثبات في أن الكون ساكن لفضول التاريخ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق