الأحد، 28 ديسمبر، 2008

حكاية أضخم تليسكوب فضائي في العالم



يعد التليسكوب الفضائي هابل الأكبر والأنشط مقارنة بباقي أقرانه السابحين في الكون، ولعله اكتشف طوال حياته التي بدأت عام 1990 حين أطلق إلى الفضاء، أكثر من مائة كوكب تائه في 'درب التبانة' وهي المجرة التي ينتمي اليه سكان الأرض، بالإضافة إلى رصده ومتابعته تصرفات آلاف النجوم والشموس فيها. ولو صدقنا عيون هابل فإن عدد الكواكب التي تدور حول شموس سيزيد ليصل إلى 230 وربما يؤيد النظرية القائلة إن كافة النجوم التي تشبه شمس مجموعتنا الشمسية في درب التبانة وربما في الكون بأسره تدور حولها كواكب.وعلى الرغم من أن هابل يعتبر أهم جهاز فضائي مخصص لاكتشاف المنظومات الشمسية الجديدة، إلا أنه بدأ يشيخ وظهرت عليه علامات التعب، الأمر الذي فرض عليه استبدال دماغه.وبغض النظر عن دماغ هابل، فإن التجارب الخلاقة التي تجرى بحاجة إلى التأكد من أن بعض الكواكب التي اكتشفناها هي كواكب بحق وذلك بإجراء بعض القياسات من الأرض. ويتوقع علماء الفضاء أنه من الجائز دراسة طبقات الجو لما بين 10- 20% من الكواكب التي اكتشفت وخاصة تلك اللقطة التي التقطها لصورة كوكب خارج المجموعة الشمسية يدور حول نجم يبلغ حجمه ما بين خمسة أو عشرة أضعاف كوكب المشترى ويدور حول نجم قزم يبعد مائة سنة ضوئية عن المجموعة الشمسية. تجدر الإشارة إلى أن الفضائيين اكتشفوا أكثر من 120 كوكبا خارج المجموعة الشمسية على مدار العشرة أعوام الماضية. واكتشفت معظم هذه الكواكب بطريق غير مباشر ولم يصور أي منها مباشرة. ولا تكمن مشكلة رصد هذه الكواكب البعيدة في مدى حساسية رصدها بل في تباين الإضاءة بينها وبين النجوم التي تدور حولها. فوجود نجم لامع يجعل من الصعب رصد الكواكب المعتمة التي تدور حوله. و هذا السبب الذي دفع بالباحثين عن الكواكب المجهولة الدوران حول النجوم القزمية البيضاء، وهي تلك النجوم التي تمر في الفترة الأخيرة في دورتها الحياتية حيث تتحول من شمس عملاقة إلى نجم صغير أبيض يقارب في حجمه كوكب الأرض. هابل التقط أعمق صورة للكون حددت أصغر وأبعد المجرات التي شاهدها علماء الفلك على مر العصور. وجاءت هذه الصورة نتيجة لرصد طويل استغرق أربعة اشهر لرقعة صغيرة فقط من السماء. وتقرب هذه الصور التاريخية علماء الفلك من فهم الانفجار الكبير وتكشف عن أول مجرات ظهرت في نهاية ما يطلق عليها 'العصور المظلمة'. ومن المتوقع ألا يتم الحصول على لقطات أفضل من هذه الصور حتى يوضع تلسكوب جديد في مداره. وتظهر في الصورة التي استغرق تصويرها نحو مليون ثانية أول مجرات تكونت بعد الانفجار العظيم وهي فترة في التاريخ الكوني عندما كانت النجوم الأولى تعيد تسخين الكون البارد والمظلم. ان العاملين الذين أتيح لهم رؤية هذه الصورة، قد رأوا بلا شك، أشياء لم يشاهدها احد من قبل، ويكفي أن نقول أنها احتوت على ما يقدر بعشرة آلاف مجرة. انها حقا صورة جميلة وغنية وحافلة بالأشياء المثيرة والمختلفة. ويعتبر المنظر الذي التقطه هابل مزيجا من صورتين منفصلتين التقطت احداهما آلة تصوير متقدمة بالتلسكوب وآلة تصوير أخرى تعمل بالأشعة تحت الحمراء ومقياس للطيف.وتظهر الصورتان مجرات باهتة بدرجة تجعل من الصعب على المراصد الأرضية رؤيتها، بل وحتى في محاولات هابل البعيدة السابقة لالتقاط صور في منتصف التسعينات كان من الصعب رؤيتها. وتمتلئ الصورة التي التقطتها آلة التصوير المتقدمة في هابل بمجموعة كبيرة من المجرات من مختلف الأحجام والأشكال والألوان. وهناك أيضا 'غابة' من المجرات المتناثرة في المنطقة. ويبدو أن عددا قليلا منها يتقاطع. أما أشكالها الغريبة فتختلف عن المجرات الحلزونية والأهليجية التي نراها اليوم. وتعود هذه المجرات الى فترة كان الكون فيها أكثر فوضى وكان النظام والبناء الكوني في بداية ظهوره. والتقطت آلة التصوير بالأشعة تحت الحمراء ومقياس الطيف (نيكموس) أشياء أكثر من آلة التصوير المتقدمة إذ أظهرت الصورة أبعد المجرات لان الكون الممتد نشر ضوءه على الجزء القريب الذي يعمل بالأشعة تحت الحمراء من جهاز قياس الطيف. واعتاد هابل على التقاط الصور ذات المحتوى العلمي المهم والمفيد للدراسات الكونية في المنطقة العميقة الموجود فيها هابل. وأحيانا يلتقط هابل صورا للمجرات الباهتة والنقاط الضوئية التي يمكن أن تكون لمجرات بعيدة، أما الأشياء فتعتبر أبعد وأصغر المجرات. يذكر أن الصور التي التقطها 'هابل' حددت عمر الكون الذي يقدر بنحو 13 مليار عام، كما كان للمكوك الفضل في اكتشاف أن الطاقة الغامضة تدفع جميع الأجسام في الكون للتحرك بعيدا عن بعضها البعض.
8 ملايين سنة ضوئية
لقد استطاع هابل مرة كشف تفاصيل غريبة لجسم معقد ظفر به وسط موقع كارينا نيبولا التابع لمجرتنا والبالغ قطرها أكثر من عشرين مليون سنة ضوئية، وتسنت معرفة هذه الجوانب المحيرة بعد تجميع وتركيب صورة تضم تفاصيل عمليات رصد قام بها هابل معتمدا في التقاط الصور على كاميرا متطورة للغاية تستخدم ست مصاف للألوان ويهيمن على الصورة شكل دائري ضخم للغاية، يعد جزءا مما يطلق عليه كيهول نيبولا، وهو اسم يعود تاريخ إطلاقه إلى القرن التاسع عشر وتقع هذه المنطقة التي تبعد عن الأرض بمسافة ثمانية ملايين سنة ضوئية، في مقابل نجم إيتا كاريني الدائم الانفجارات، والذي يوجد خارج الصورة مباشرة، ساخن وثقيل وتحتوي كارينا نيبولا أيضا على عدد من النجوم التي تعد من أكثر الأجرام السماوية سخونة واتساعا، إذ تبلغ حرارتها حوالي عشرة أضعاف حرارة الشمس ومئة ضعف من حيث حجمها، وتتضمن منطقة كيهول في الوقت ذاته أليافا لامعة من الغاز الساخن وكتل سحب داكنة من الجسيمات الباردة والغبار، توجد في حالة حركة سريعة وعشوائية كما تكشف صور هابل البالغة الدقة عددا هائلا من الأجرام الداكنة اللون التي يحتمل أنها في طور التكوين لتتحول إلى نجوم جديدة ويبدو على أعمدة بارزة من سحب الغبار الضخمة وكأنها تتجه نحو نجم ضخم شديد اللمعان، يوجد مباشرة خارج الصورة. ويرجح أن هذا النجم هو المسؤول عن إضاءة هذه السحب وتشكيلها، وذلك بالنظر لقوة طاقة الأشعة الصادرة عنه كما أن السحب الداكنة الضخمة يمكنها أن تتبخر في نهاية المطاف، أو أن 'تنجب' نجوما صغيرة، إذا كان فيها ما يكفي من كثافة الضغط.
ميلاد جديد
لهابلكان الميلاد الجديد لهابل في تلك الليلة الأثيرية حين استبدلوا دماغه بعمل رائع من قبل رواد المكوك ديسكفري، حين استبدلوا حاسوبه المركزي بعد جهد خارق عن العادة استغرق سبع ساعات قضاها الرواد خارج المكوك منفذين عملية تطلبت دقة متناهية، لن ينسى أي منهم تاريخ البحوث الفضائية وهم رواد الفضاء:البريطاني مايكل فول وزميله السويسري كلود نيكوليه. وقد قام الرائدان بالعملية أثناء تحليقهما على ارتفاع 600 كيلومتر فوق أستراليا، حيث أدار البريطاني فول، وهو خبير ببرمجة الحاسوب، العملية وقد استبدل 'دماغ' هابل الهرم بآخر مكون من ثلاث معالجات إنتيل 486 متصلة ببعضها. وحصل بعدها هابل على دماغ جديد أسرع من سابقه بعشرين مرة، كما له من الذاكرة ستة أضعاف ما كان متوافرا للدماغ القديم. وكان على فول توخي الحذر بشكل خاص، حيث ان نقاط التوصيل في اسلاك الحاسوب دقيقة جدا كما استبدل الرائدان ثلاثة مجسات يتم بواسطتها توجيه هابل نحو الهدف الذي يطلب منه مراقبته.
تقاعد العملاق
كما تم إغراق أكبر وأقدم محطة فضائية في التاريخ كما فعل الروس مع المكوك المداري 'مير'، يدور الحديث في ناسا عن وقف رحلات هابل إلى القمر والمريخ تدريجيا خاصة بعد استكمال بناء المحطة الفضائية الدولية 'ألفا' وقد يحال هابل على التقاعد عام 2010 بعد أن استبدلت أجزاؤه التالفة. ووجد الخبراء، إضافة إلى حنينهم الشخصي، سببا علميا وجيها لمد مهمة تليسكوب الفضاء 'هابل' لعدة سنوات أخرى، فقد رأوا 'أنه نظرا للنجاح الباهر الذي حققه التليسكوب في سبر أغوار الكون فإنه يجب إعادة النظر في استمرار عمله حتى عام 2010 أو أكثر من ذلك'. وستضمن هذه النتيجة لعلماء الفضاء الحصول على تليسكوب قوي للقيام بأعمال الرصد في الفضاء قبل أن يتم استبدال 'هابل' بتليسكوب أحدث. ولن تتم عملية الاستبدال قبل عام ،2011 وأصدر فريق الخبراء الذي يترأسه البروفيسور جون باكال من جامعة برينستون، تقريرا يحدد احتمالات استمرار التليسكوب في الخدمة. ويفصل التقرير الخيارات المتاحة التي من شأنها أن تجعل التليسكوب يعمل لأطول فترة ممكنة. وفي المقابل، فلن يستطيع التليسكوب الصمود حتى عام 2010 دون مركبة فضائية ورواد فضاء يجرون له عملية التحديث، حيث يجب استبدال بعض مكونات 'هابل' بصفة دورية. ويذكر أن البوصلات الدوارة (الجيروسكوب) على وجه الخصوص، التي تمكن التليسكوب من التحرك صوب اتجاه معين، تتوقف عن العمل بمرور الوقت. وعلى الرغم من أن التليسكوب مجهز ببوصلات احتياطية إلا انه سيأتي عليها الدور هي الأخرى لتتعطل.
وداع حزين
وسيقود ذلك السيناريو الكابوسي بالنسبة لمصير 'هابل' وإحالته على التقاعد، إلى فقدان أوساط علوم الفضاء للتليسكوب الفضائي الشهير لعدة سنوات، كما قال الدكتور تشينج أحد علماء التطوير الفضائي : 'لا يعرف علماء الفضاء أي شيء عن العالم دون هابل'. ولن يتم إطلاق خليفة 'هابل' إلى الفضاء والذي يحمل اسم 'جيمس ويب' قبل عام ،2011 ويتوقع العديد من العلماء أن يتم إطلاق التليسكوب الجديد بعد هذا التاريخ. وأضاف تشينج 'نظرا لحجم المعلومات الهائل الذي يستطيع التليسكوب جمعه فإن أول رد فعل للعلماء عندما يواجهون مسألة أو مشكلة عويصة هو التساؤل ما الذي يمكن أن يطلعنا عليه هابل؟'.وأوضح فريق العلماء، الذي يعرف باسم 'فريق تغيير هابل' ويضم كبير علماء الفضاء البريطانيين السير مارتن ريز، ان هناك ثلاثة خيارات تحدد مصير التليسكوب. ويرجح الخيار الأول عدم القيام بأي رحلات إلى التليسكوب وإنهاء مهمته بعد أن تتوقف بوصلاته الدوارة (الجيروسكوب) أو أي من مكوناته الأخرى عن العمل. أما الخيار الثاني فيميل إلى القيام برحلة بواسطة مكوك فضاء إلى 'هابل' في عام 2006 لتحديثه لكي يكون قادرا على العمل لأطول فترة ممكنة. وسيعمل طاقم هذه الرحلة على تزويد التليسكوب بأجهزة دفع ذاتية لإخراجه عن مداره بسلام. ويتمثل الخيار الثالث الذي يتوق إليه العديد من علماء الفضاء في القيام برحلتين لصيانة وتحديث التليسكوب على أن تكون الرحلة الثانية في عام 2010 لتجهيزه للصمود لمدة عشر سنوات أخرى. غير أن تقرير الفريق أوضح أن علماء الفضاء يجب عليهم التأكد من أن الخيار الأخير هو السبيل الأفضل لخدمة العلم. وقال فريق العلماء في بيان 'سيتم مد برنامج تليسكوب هابل إذا أثبت أنه أكفأ من أجهزة مماثلة'.من جهته، وافق الدكتور إد ويلر المدير المساعد لقسم علوم الفضاء بوكالة 'ناسا' على ما جاء في تقرير فريق العلماء وقال معلقا 'أمامنا عمل كثير لدراسة ما توصل إليه فريق العلماء والنظر في الخيارات المطروحة لدينا وسنتخذ ما يلزم بعد تقييم تقريرهم بصورة كاملة'.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق