الأحد، 28 ديسمبر، 2008

«أوريون» تستبدل بـ «أبولو» بعد نصف قرن من الإنجاز الكبير


يكثر الحديث في الأوساط الفضائية العالمية على سفينة ناسا الفضائية المقبلة، في وقت ينشغل فيه مهندسو المقاول الرئيسي لبنائها شركة مارتن لوكهيد لإتمام المرحلة النهائية لقمرة قيادة المركبة. مدير هذا المشروع الكبير في “ناسا” كاريس هاتفيلد قال في هذا الصدد:” نعمل سوية مع فريق التصميم آخذين في الاعتبار المميزات التي تجعلها أكثر فاعلية لكي نحصل على مركبة تعمل وفق آلية متكاملة واحدة”.
بين “أوريون” و”أبولو”
وستكون كبسولة “أوريون” وهو الاسم المبدئي للمركبة الجديدة، مشابهة تقريبا لكبسولة “أبولو” المعروفة لكونها حملت أواخر الستينات وأوائل السبعينات أول رواد فضاء يهبطون على القمر، والعاملة في محطة سكايلاب الفضائية، مع فارق نوعي هو أن باستطاعتها نقل طاقم مؤلف من 4 – 6 أشخاص، وهو التطور الذي سينقل تكنولوجيا المركبات الفضائية إلى القرن الـ 21 بجرأة. ومن المتوقع أن يبدأ نشاط المركبة مع حلول عام 2014 حيث ستنقل رواد الفضاء إلى القمر في موعد أقصاه 2020. وفي مختبر التطوير والاستكشافات الفضائية الشهير في هيوستن يعمل أكثر من فريق لإنجاز عصر جديد للمركبات الفضائية، يساعدهم في ذلك رائد فضاء “ناسا” لي مورين الذي تنحصر مهمته في تطوير أنظمة الطاقم وهندسة الطيران للمركبة. وفي مقابلة معه قال مورين إن ما تم تحقيقه يعتبر من أهم الخطوات في اتجاه تصنيع مركبة فضائية فريدة من نوعها ستفوق المركبات الفضائية الثّلاث التي صنعتها “ناسا” من قبل والتي ستحال إلى التقاعد بحلول سبتمبر 2010.


المقارنة تستمر
في زمان “أبولو” الجريء حينما هبطت على القمر، كانت الحواسيب في طورها البدائي ولم تنضج بعد كما في عصر “أوريون” المصممة للمستقبل، هذا ما قاله ليون لاكفيلد مدير برنامج مركبة “أوريون” خلال تجواله في مختبر صناعة المركبة الجديدة، مؤكدا على أنها ستملك حواسيب ذكية بشاشات متعددة الأبعاد ولوحات مفاتيح في وسط الشاشة مباشرة تتيح للمستخدمين استلام كل المعلومات التي يحتاجونها، ولأن المفاتيح ستكون على الشاشة الذكية، فقد ولى زمن لوحة المفاتيح المنفصلة التي كانت تهدر بعض الوقت في الإنجاز. وسيستخدم رواد الفضاء هذه المرة مواد ذات وزن خفيف سيقل مرتين عن تلك التي استخدمها رواد “أبولو” في سفرتهم الساحرة إلى القمر. بينما ستزن كبسولة “أوريون” 10 – 15 % فقط من وزن “أبولو”. تقنيات التصميم الحديث وبقطر يبلغ حوالي 16.5 قدماً (5 أمتار) يتوقع أن تكون مساحة “أوريون”، فهي تزيد بنحو 2.5 مرة على الحجم الصالح للسكن لأسلاف “أبولو”، ناهيك عن الأنظمة الأساسية التي تغيرت بالكامل والمتأرجحة فوق الطيار والقائد اللّذين سيجلسان تحت النوافذ الأساسية. ولكل من القائد والطيار نافذتان في “أوريون”، كما كان الحال في “أبولو” وثمة فتحة الدخول ونفق يؤدي إلى القمرة تفتح من قمته. وستجهز المركبة بستة مقاعد يجلس فيها الرواد أثناء الرحلة أو أربعة، وهو العدد الكافي للرواد المكلفين بمهمة القمر وتتكون المقاعد من إطارات السبيكة المعدنية foldable موصلة بشريط من التنجيد القوي..هذه المقاعد صممت بحيث إذا فقدت اثنتان من المظلات الأربع في غضون عملية الهبوط ستحافظ على وجود الرواد في مكان آمن، حيث ستنقلب من جانب واحد بعد الهبوط، بالإضافة إلى الكثير من المميزات الجديدة التي تزيد من قابليتها على التأقلم مع الأوضاع الحرجة في التحليق.
التكنولوجيا لخدمة رواد الفضاء
ثمة تكنولوجيا ممتعة ميزت أرضية المركبة، حيث ستستخدم كلها للتخزين، بينما ستشغل الجدران للأجهزة الالكترونية تلك الخاصة بالانعاش والكمبيوترات.والفضل في هذه التعديلات المهمة يعود الى مورين وزملائه الذين صهروا تجربتهم الطويلة في التحليق الفضائي من أجل ابتكار شكل جديد لمركبة فضائية تخدم رواد الفضاء أكثر مما يخدمونها.يقول مورين في هذا الصدد: «اننا فحصنا مدارج الطيران للمقاتلة النفاثة أف – 22 وطائرة النقل العملاقة اي – 380، بالاضافة الى طائرات حديثة أخرى لكي لا نتغيب عن التقنيات الجديدة والأفكار المبتكرة». والهدف من استغلال رواد الفضاء في عملية تصميم مركبة جديدة انحصر في رأي مورين بـ«تأسيس فلسفة أساسية لرائد الفضاء تجعله يتحكم في مركبة أوريون التي ستنحصر مهامها المستقبلية في القمر فحسب». كما «أننا سنحصل على مركبة مرنة وهي بالتأكيد مزيج من عقول متعددة تفوق العقل الواحد لكي نستخدم هذه التجربة في مركبات المستقبل». ويتضمن التصميم أيضا منظومة انطلاق جديدة وهي عبارة عن تركيب اسطواني يغطي قمة مركبة القيادة مثل قمع معكوس أثناء الاقلاع وسيُفصل آليا بعد الانطلاق ويدمر في الجو. وسيجهز النظام بمحرك صاروخ يعمل بالوقود الصلب بامكانه تشغيل وسحب الكبسولة جانبا من المركبة وهو الذي سيوازن هبوطها ويطلق المظلة لحظة هبوطها على الأرض حيث يتم ابطاء المركبة بواسطة صاروخ صغير مزود بأكياس هوائية تمتص الطاقة عند النزول التدريجي نحو الأرض.


أجنحة شمسية ودروع الحرارة
وكانت اضافة أجنحة شمسية في مركبة «ناسا» السابقة كراود – آي أس أس تجربة جريئة لتزويد الطاقة الكهربائية للمركبات الفضائية وهو ما ستتبعه المركبة أوريون، حيث ستشغل الطاقة الشمسية كل أنظمة المركبة والمحرك الرئيسي وباقي الكبسولات التي تشغل منظومة المركبة لغاية ايصالها وهبوطها الى الأرض من جديد، وهذا من دواعي حرص هاتفيلد الذي صرح بضرورة أن تعمل الألواح الشمسية في كل مرة وفوق ذلك عليها أن تشرف على عودة المركبة سالمة الى قاعدتها. أما دروع الحرارة، فقد أشرفت عليها شركة بوينغ لقاء 14 مليون دولار بتصميمها وصناعتها من قبل الفريق الذي يقع مقره على شواطئ هانتينغتن في كاليفورنيا. ولتطوير دروع الحرارة الحيوية، فأن مسألة حماية مركبة أوريون والحفاظ على أجواء الأرض داخلها، اعتبرت مضمونة. هذا التصميم سيؤمن أيضا السرعة المقررة للمركبة والتي ستتراوح في بداية التحليق بين 26876 و40233 كيلومترا بالسّاعة كمعدل لرحلة الذهاب والاياب الى القمر. مخطط «ناسا» الطموح وبين هاتفيلد أن في برنامج «ناسا» للاستكشاف الجديد للقمر الكثير من المكونات الطموحة وهي لا تزال طور التنفيذ من قبل الشركات المكلفة بتنفيذ التصميمات ؛ بينها: دراسة بيئة القمر، طريقة التجول فيه، محركات الصاروخ. وبينت العبارة لتالية لمدير المشروع في «ناسا» كاريس هاتفيلد مدى الطموح الذي يحمله خبراء المؤسسة الاميركية التي احتفلت بعيد ميلادها الخمسين قبل فترة: «عظيم أن نرى كل هذا الحماس لدى العاملين في المشروع».
مشاطرة السياسيين
هذا الطموح والجرأة في تصنيع «مركبة المستقبل» جاءا بعد خمس سنوات من الخمول الذي عانت منه «ناسا» والذي انعكس في قلق أعضاء الكونغرس والمرشحين للرئاسة الاميركية في الاعتماد الكبير لناسا في التحليقات الفضائية على روسيا. وبعد أربع سنوات من الدراسة والبحوث والتصميمات، ظهرت فكرة المركبة الفضائية القادمة التي ستعيد الولايات المتحدة الى القمر، وقد يشهد الرئيس القادم هذه الاحتفالية ما بين الأعوام 2015 الى 2020. مع أن بعض السياسيين في الكونغرس اقترحوا انطلاق المركبة في موعد مؤلم بالنسبة للاميركان وهو 11 سبتمبر 2014، ولكن خبراء «ناسا» لم يبالغوا في تفاؤل السياسيين في تقديم الموعد لسنة أو 18 شهرا معتبرين أن الاستعجال قد يصعـّب من المهمة، فالمهندسون يحتاجون الى العمل الشاق والطويل، والأهم الدقيق، لتطوير الأنظمة الجديدة التي ستخفض من الاهتزازات التي طالما عانى منها رواد الفضاء في الماضي والكثير من التعقيدات الأخرى التي لا تؤمن الرحلة التجريبية الأولى موعدا أقل من مارس 2015.
الأموال جاهزة للصواريخ
وهكذا فان السياسيين في الكونغرس والعلماء والمهندسين في «ناسا» ضمنوا الأموال لتطوير مركبة أوريون والصاروخين آريس – 1 وآريس – 5 الذي سيتكفل الأول بمرحلة الاقلاع والهبوط على سطح القمر، فيما انحصرت مهمة الثاني في حمل أفراد الطاقم والكبسولة وجهاز الغاء الانطلاق. ويخطط أن تلتحم كبسولة «اريون» بالمركبة القمرية «التير» وهي المسؤولة على الهبوط على سطح القمر. بقي أن نذكر أن تكلفة هذه المركبة بلغت في مرحلتها النظرية نحو 5،5 مليارات دولار زائدا 3،2 مليارات دولار تكلفة عملية الاطلاق والعناية بالطاقم واختبارات الطيران التجريبية، ومن المتوقع أن تضاف الى هذه «الفاتورة الرهيبة» 2 – 3 مليارات دولار أخرى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق