الأحد، 28 ديسمبر، 2008

معالجة الكآبة الحادة بزرع البهجة في الدماغ!


أصبح متاحا الآن لمن يعاني من الكآبة الحادة، أن يحلق رأسه قليلا ويسمح بزرع أربعة دبابيس واحد في كل جهة من جانبي الجبهة، والاثنان الآخران في خلفية الرأس وذلك للسماح بهالة من التيتانيوم للترعرع في الدماغ الحزين. الذي يحصل بلغة العلماء هو مسح للدماغ ومحاكاة الشرايين الحمراء الرقيقة وتنشيطها لاسيما تلك المحفورة في قمة الجمجمة، لأن مستقبلات الآلام وما يمكن أن نطلق عليه «مخزن العذاب» واقع في تلك المنطقة في الدماغ. انها عملية «تأجير السعادة» بمعناها الشاعري تبدأ بالتخدير الموضعي وتوقظ فيما بعد مكامن الفرح الغائبة عن الإنسان لسنوات طويلة عاشها في صدمات تعرض خلالها إلى القهر أو الخيبة. ولعلنا نتصور براعة هذا الاكتشاف العلمي لو استطاع تغيير حياة إنسان عاش لربع قرن وتآخى مع الكآبة الشديدة، أنه إجهاد فزيولوجي لا يطيقه البشر العاديون، وعلينا إدراك ثمرة النتائج لو علمنا أن أربعة ملايين شخص ممن يئنون من فداحة الحزن يتلقون العلاج بواسطة هذه الطريقة، وأنهم عبروا جسر الكآبة نحو بحيرات جديدة من البهجة. والعلاج ينحصر في استخدام تكنولوجيا الصدمات الإلكترونية الحساسة والخاصة بأوردة بذاتها والمعروفة بالتسمية electroconvulsive (إي سي تي) وهي الإغاثة التي أثبتت نجاحها في إخراج الملايين من عزلة الحزن الزائد عن حده.وهي عملية تحفيز الدماغ التي شوهت السينما سمعتها وبالأخص الفيلم البارع «الطيران فوق عش الوقواق» الذي أغرقوا دماغ بطله جاك نيكلسون بالكهرباء من دون شفقة وعمدا. لكن التقنية التي نحن بصدد الحديث عنها أكثر حذرا وتراهن على جرعة صغيرة من التيار الموجه إلى المنطقة الرئيسية في الدماغ التي يعتقد أنها المسؤولة عن التحكم بالمزاج. سيخيطون الأسلاك تحت الجلد حيث مكانها في الدماغ وسينبهون المزاج بإدارة بطارية تزرع في الصدر بحجم الـ iPod nano على أن يخرج منبه التيار بشكل ثابت، وكأن التيار سيستحم في منطقة صغيرة من نسيج الدماغ في الكهرباء. حيث أن تقنية الـ «إي سـي تي» ستكافئ بهذا الصنيع صدمات الـ defibrillators التي تهز صدر المتعرض للنوبة القلبية، وستكون عملية تحفيز الدماغ دقيقة كمنظم دقات القلب.
دخول التجربة
سيتمدد الإنسان الغارق في حزن طويل على طاولة العمليات ولن يندم لو طلبوا منه إغلاق عينيه ولو بالتخدير الموضعي، ليتسنى للماهرين إدخال سلك رقيق خلال الفتحة اليسرى من الجمجمة مستعملين الهالة الذي تتقدمه كدليل ليقوموا بإعادة بناء الدماغ من خلال 180 عملية مسح وتصوير بالرنين المغناطيسي هدفها تجسيد الخلايا العصبية المرتبطة بالطاقة والمزاج. سيستمر السلك بالعمل في البقع الصحيحة ويكررها على الجانب الآخر وسينتهي من المسح الابتدائي في غضون 90 دقيقة وسيتحكم في العملية قطبان كهربائيان سيسكنان في مركز الدماغ، وقد حان الوقت الآن لشحنهما، كما أزف الوقت لأن يفخر الفريق الذي خطط ونفذ هذا النوع من التجارب يتقدمهم: دونالد مالون الطبيب النفسي ذو الوجه الطفولي الذي ستنظر إليه قبل أن تسمح له بصدم دماغك.
تأثير الكهرباء
مع أن اسمها كهرباء، لكن فولتيتها تعادل تلك الكافية لتشغيل ساعة يد؛ أي ما يعادل 2 فولت فقط ستسرح مؤدية واجبها داخل الرأس ببضعة مليمترات في كل اتجاه، هذه المليمترات القليلة للغاية؛ هي التي تحتوي على ملايين الخلايا العصبية ولذلك فتأثيرها فوري ودقيق ودافئ. بعدها سيبدو للكئيب الراقد على طاولة العمليات ضوء الغرفة أكثر لمعانا وسيسأله مالون: كيف تشعر؟ وسيجيب بأنه أصبح أكثر سعادة. أستطيع أن أنهض الآن وأقوم بمختلف الأعمال.


تأجير الابتسامات
الصدمة قد توقظ في الإنسان لمحة الحياة، والأشعة السينية لطالما أرهقت مرضى الكآبة الأوائل الذين كانوا يتلقون الأعراض الجانبية على مضض. وللتذكير ان نجاح تجربة مالون استند على تاريخ طويل من تجارب مماثلة بدأت في منتصف التسعينات كمعالجة اضطرابات الحركة لمرضى الباركنسن، ومنذ ذلك الحين يتابع العلماء العقدة الرئيسية التي تملي السيطرة على أطراف الجسم. غير أن الوثبة العلمية تحققت بفضل علماء جامعة إموري وجامعة تورنتو ومرضاهم الخمسين الذين كانوا يتجولون في أميركا الشمالية والأسلاك ترعى في أدمغتهم.
الكآبة الصعبة
وبشكل عام ان معالجة الكآبة الحادة أصعب بكثير من معالجة الباركنسن، نظرا للعوامل المعقدة للغاية التي تشكل مرض الكآبة الوراثية منها والبيئية، والأصعب هو اختلاف العلماء على مدى سنين طويلة في تشخيص الأسباب وغموضها، فثمة من تحدث عن تصنيف ما اسموه «جينات الضعف» التي تأتي بشكلين: المحظوظ وسيئ الحظ. يفسر بن غرينبرغ الطبيب النفسي من جامعة براون الذي يتعاون مع المجموعة العلمية في عيادة كليفيلند، أنه لو يملك الإنسان واحدة منها سيكون مرنا نسبيا تحت الإجهاد. ولكن لو تتعرض للإجهاد النفسي ستتطور لديك الكآبة على نحو أسرع. وثمة من يحصر أسباب الكآبة في مشاكل الاتصالات داخل الدماغ، فكل خلية عصبية تستلم رسالة كيميائية من الخلايا العصبية المجاورة وتبعث بدورها الإشارات الكهربائية للألياف العصبية وفي النهاية الأخرى تضخ الخلية العصبية المواد الكيميائية إلى الخلايا القادمة وهكذا فان أي خلل أو عطل في عملية الاتصال سيؤدي إلى متاعب الكآبة.
اللجوء إلى الأدوية
لم يقدم علم الطب النفسي لما قبل تجربة مالون، غير الكبسولات المهدئة والمخدرة التي تعدل الإشارات الكيميائية Prozac وتمنع عمل المضخات التي تمتص الـ serotonin وهي المادة التي تنظم المزاج. وخارج الفجوات بين خليتين عصبيتين يترك الـ serotonin أكثر في تلك الفراغات، لكي يحسن تدفق الرسائل بافتراض أنها واقعة بين الخلايا العصبية. لكن هل سيزرع هذا العمل بقايا السعادة في الناس؟ الإجابة بلا شك غير واضحة. إن استخدام أدوية الـ Antidepressants أثمر مليارات الدولارات لدخل شركات الصيدلة، لكن الدراسات الأخيرة تقترح بأن الحبوب تعمل فقط 50% من الوقت، الذي لا يجري لمصلحة عشرات الملايين الذين يعانون سنويا من الضغوط النفسية والحياتية.
الإشارات الكهربائية
وعودة الى التجربة الواعدة لفريق دونالد مالون، فهي تفهم تحفيز الدماغ من خلال نظرة أخرى، باستهدافها الإشارات الكهربائية التي تسهل الاتصال الكيميائي. ومن الممكن الاعتقاد أن الآلية المضبوطة المتأثرة لا تزال غير مقررة، لكن الشك بأن تقنية الـ دي بي أس تعمل على الـ axons، أي على القنوات المركزية لكل خلية عصبية. وهذه الألياف المغمدة بروتين يتصرف مثل كابلات الاتصالات الصغيرة التي تمرر الرسائل من نهاية كل خلية إلى الأخريات. أما الفولتية الإضافية، فقد تزيد موجة في الـ axons، هذه الزيادة قد تسمح لهم - من المحتمل - لحمل المزيد من المعلومات، وأكثر من المعلومات الصحيحة. وعلى العموم، ففي المدى البعيد، سنتمنى أن يتمكن العلماء من تمييز الـ axons المتضرر وإجبار الآيونات خلال الألياف العصبية وهذا قد يسبب في إطلاق المواد التي تنظم المزاج كيميائيا مثل الـ serotonin وnorepinephrine، عندها سيتمكنون من تطوير طرق جديدة للتشخيص ومعالجة الكآبة.


صعوبات جانبية
وعلى فريق مالون إقناع المجتمع الطبي والأخلاقي الدولي بطريقته في معالجته الكآبة بالتيار الكهربائي بأنها فكرة جيدة وعلى الأقل أفضل من حبوب وكبسولات التخدير التي أدمن عليها المرضى، وعليه أيضا الحصول على اعتراف في أن ما يقوم به يدخل ضمن الأسئلة العلمية التي تحتاج إلى تضافر جهود مختبرات ضخمة وناهيك عن مواجهته للأسئلة الأخلاقية الشائكة. فإذا كان مرضى الباكنسن يبدأون معاناتهم بعد الستين أو أكثر، فان مرضى الكآبة يبدأونها في العشرينات من عمرهم، فهل سيؤمن العالم أخيرا بالطرق العجيبة التي ابتكرها الطبيب النفسي المدهش نيل سويردلو من جامعة كاليفورنيا الذي كان يزرع أجهزته في أجساد مرضاه ويقيهم من حدة الكآبة؟
ديليفري السعادة
ثم أن هناك المشكلة الأساسية، وهي أن السعادة لا تتحقق بالطلب ولا بالتأجير ومن الصعب تخيل سعادة تنبعث من الأدوات المنغمّة للفولتية وتردد المنبهات المزروعة في الصدور!ومن الذي سيضمن ــ لو طبقت طريقة مالون على نحو واسع خارج حدود التجربة ــ إن ضبط الأعصاب عن طريق تحريك الفولتات لا يسبب ضررا للدماغ؟ هذه أسئلة ليست شكلية، ولا التجربة عبارة عن دراسة الجهاز العصبي لتعليمها فيما بعد لطلبة الطب النفسي، لأن أي خطأ سيعاني منه الملايين فوق معاناتهم الأصلية، التي تقبلوها كقدر لا مفر منه.
أفضل من الانتحار
وقد تنجح تقنية الـ fMRI «المسح بالرنين المغناطيسي» في التحكم بالمزاج بتوليدها الحقول المغناطيسية القوية لقياس النشاط الأيضي في مناطق الدماغ المختلفة، ولكن كم يوجد مرضى يراهنون عليها ويضعون رؤوسهم تحت سيطرةالمكنات وأدمغتهم تشتغل بالأسلاك؟ يقول العلماء الذين اعتمدوا هذه الطريقة: «لم يضحكوا أبدا وها هم الآن يضحكون بسرعة بعد الجراحة».ان التغييرات الفزيولوجية ترافق التغييرات العاطفية والعكس صحيح، وبغض النظر عن معالجة الكآبة، فان وظيفة العلماء تنحصر في مراقبة مناطق الدماغ المختلفة وكيفية اشتراكه في التحكم بالمزاج وإذا فهموا حقا ما الذي يجري في الدماغ يمكنهم تصميم العلاج وتثبيته حسب الطلب. ومهما ذهب مالون في تجربته، بطيئا أو سريعا، فمقترحاته التي دقت ناقوس خطر الكآبة على البشرية التي تزهق 32 ألف روح سنويا في الولايات المتحدة وحدها، فهي محاولة لفتح ألغاز الدماغ وأن ينهض المرء الذي يعاني من الكآبة من على سريره في الصباح ليزاول نشاطه وعمله دون أن يفكر في الطريقة التي تناسبه إلى الانتحار!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق