الأحد، 28 ديسمبر، 2008

ما الذي يحدث لحظة الموت ؟


تجربة جريئة تدفع حدود العلم وتعمل ضد الفرضيات والتصورات المثبتة طوال التاريخ الإنساني


اتحدت جهود العديد من المجموعات العلمية في العالم لتطلق مشروعا إنسانيا جريئا وفريدا من جامعة ساوثهامبتن لدراسة دماغ الإنسان ومسائل كالوعي والموت السريري. يقود هذه الأبحاث الدكتور سام بارنيا الخبير في علم الوعي والأساتذة بيتر فينويك وستيفن هولغيت وروبرت بيفلير الذين يتابعون المرحلة التجريبية التي فات منها 18 شهرا في مستشفيات مختارة داخل المملكة المتحدة وأوربا وأميركا الشمالية. وعلى نقيض الفهم السائد، يوضح الدكتور بارنيا بأن "ليس للموت لحظة معينة"، مستندا إلى أن العملية تبدأ ما أن يتوقف القلب عن الخفقان يليه توقف الرئتين ومن ثم الدماغ مبينا معايير الموت الثلاثة المعترف فيها حاليا.
يسمع ويرى في الموت!
غير أن الدراسات العلمية الأخيرة بينت أن 10 – 20 % من الذين يمرون بالسكتة القلبية تنظم لديهم عمليات التفكير وتستدعى لديهم الذكريات في الآونة التي يلتقون فيها مع الموت. واستخدم الأطباء والباحثون في علم الدماغ والوعي والسكتة القلبية تكنولوجيا حديثة ومتطورة للغاية اثبتوا فيها أن الإنسان الذي يتعرض لتوقف قلبه يمكنه أن يرى ويسمع أثناء السكتة القلبية. هذه النتائج خرجت بها المجموعات البحثية التي أجرت الاختبارات الفسلجية على المصابين بالسكتة القلبية بالإضافة إلى تكنولوجيا مراقبة المخ الهادفة إلى تمييز أفضل الطرق لتحسين العناية الطبية والنفسية للمرضى (فحصت التجارب 1500 مريض بقي على قيد الحياة بعد تعرضه للسكتة القلبية في 25 مركزا طبيا في الولايات المتحدة وبريطانيا بالتنسيق مع مشروع دراسة الوعي الإنساني في جامعة ساوثهامبتن ومجموعته البحثية التي تدرس الدماغ والوعي والموت). سيستغرق هذا البحث الفريد والجريء ثلاث سنوات، وسيحلل العلماء في غضون هذه المدة نشاط الدماغ ونبض القلب. وتوصلت بعض التجارب إلى أن المقبلين على الموت يرون ضوءا لامعا أو نفقا ويسمعون أصواتا تلحّ عليهم بالعودة إلى العالم، وآخرين يشعرون بإحساس كبير بالسلام.
ما فائدة البحث؟
قد يكون له منافع كبيرة في المستقبل، فأي بحث من هذا النوع هدفه مساعدة الباقين على قيد الحياة، ومعاونة أولئك الذين عاشوا الصدمة الفسيولوجية والنفسية الناتجة عن السكتة القلبية، وقد يمنح العائلات الحزينة راحة البال، في أن فقيدهم العزيز يشعر بحالة سلام أبدية وهو في الموت. أما الضوء الأبيض ؛ فينسجم أكثر مع حالة استرجاع الذكريات التي تحدث للدماغ والوعي لأولئك الذين على حافة الموت. ولطالما كافح العلماء من أجل تحديد تعريف للموت واختلفت المؤتمرات العلمية دائما في تحديد اللحظة التي يحدث فيها الموت، ولعل نتائج هذه البحوث ستلبي بعض مطالب الاختلافات التقليدية، إذا ما عاندت النتائج لتكرسها.


الذكريات الصعبة
ان الدراسات العلمية توقفت عند تعريف الموت حينما يتوقف كائن ما عن التنفس ويتوقف قلبه عن الدق ونشاط دماغه ينتهي. لكن التجارب الحديثة جاءت لتنسف نتائجها الأولية هذه المعايير الثلاثة، لا سيما في حالات الاحتضار التي وجد أن العديد من المقبلين على الموت يقيّمون بعلميات تفكير منظمة للغاية. وحسب الأعراف الطبية، عندما يتوقف القلب عن الخفقان، لن يصل الدم إلى الدماغ ولذا يتوقف نشاط الدماغ في غضون 10 ثوان، ولكن تجارب مجموعة الدكتور بارنيا تتيح نتائجها إلى أن بعض الأشخاص عادت إليهم الحياة ( بطرق الإنعاش التقليدية) خلال بضعة دقائق إلى ساعة وامتلكوا بذلك الوعي في هذه الفترة الحرجة.
العائدون من الموت!
والسؤال هنا؛ هل النتائج التي أعلن جزءا منها الدكتور بارنيا حقيقية أم أنها نوع من الوهم؟ وإذا دللت النتائج على صحتها، فذاك يعني أن عشرات الآلاف ممن يموتون سريريا كل شهر، لديهم القدرة على العودة إلى الحياة وإخبارنا عمـّا رأوه في المسافة الفاصلة بين الحياة والموت وعن تلك الصور والأنوار والأصوات التي رأوها وسمعوها وبذلك سنملك خبرة إضافية عن ماهية عمل الدماغ في حالة توقف القلب عن العمل!
مجتمع الأموات
المشروع العلمي البالغ الضخامة والأهمية الذي عرضه الدكتور سام بارنيا على خبراء في الأمم المتحدة يوم 11 سبتمبر الماضي - التوقيت له مغزى بلا شك - هو محاولة لدخول «مجتمع الأموات» وكيفية الإدراك عندما تشعر أنك ميت «لا تعريف طبيا حاسما في هذا الشأن». كل ما يفعله الأطباء أنهم ينيرون مصابيحهم في عيون المحتضرين وعندما لا يجدون استجابة من العين يقررون أن الدماغ توقف عن النشاط ويعلنون الموت. ولكن هل ردة فعل العين منساقة بنشاط الدماغ فحسب؟ وأي منطقة تبقينا على قيد الحياة ؟ وهل توجد مناطق يعمل فيها الدماغ بعد الموت وأخرى لا يعمل؟ والمشكلة التي يحاول البحث الراهن حلها هي إيجاد سبيل تكنولوجي يتحدى الفهم التقليدي للموت، وبمعنى أدق للحظة الموت. لدينا في الوقت الحاضر تكنولوجيا محسنة يمكن لبعض المراكز الطبية أن تعيد الحياة للموتى سريريا ولكنها مشروطة باستخدام تقنية تبطئ من عمل خلايا الدماغ، وهنا سننتهي بالقطع عند الكثير من الأسئلة الأخلاقية كما يقول الدكتور بارنيا.
ماذا يحدث لحظة الموت؟
وفي حقيقة الأمر، ماذا يحدث للفرد في ذلك الوقت؟ فإذا كانت قلة من الدماء تصل إلى الدماغ لحظة الموت، فإن الخلايا ستتدخل حسب الفهم الفيزيائي «الانتروبيا»، لتبقي نفسها على قيد الحياة، وهي حالة هياج بين الخلايا وداخلها قد تستمر 5 دقائق وستصاب بالضرر، وقسما منها يتغير وبعد ساعة سيكون الضرر كبيرا جدا، فإذا ظهر طبيب بارع بأجهزة أبرع سيساعد القلب على استئناف ضخ الدم ثانية، عندها الشخص المحتضر لا يستطيع أن يكون فعالا، لأن خلاياه تغيرت كثيرا وتواصل في التغيير وفي غضون يومين سيتفسخ الجسد في الواقع. إذن، تعتبر أكبر الخسائر في تاريخ الجسد هي توقف القلب عن الخفقان، لأن ذلك ينتج عنه تفسخ الخلايا، وفي النهاية: ما الذي سيجري في عقل الشخص الذي تعرض لكل هذا؟ ماذا يحدث للعقل والوعي الإنسانيين أثناء الموت؟ هل يتوقف ذلك فورا حالما يتوقف القلب؟ هل يعمل العقل لفترة دقيقتين كما يقترح علماء جامعة ساوثهامبتون؟ الذي يعرفه العلم لغاية هذه التجربة؛ كما يعرفه الدكتور بارنيا: إن الخلايا تتغير بشكل مستمر، لا سيما في هذا الوقت الحرج: 10 دقائق، نصف ساعة، ساعة.. لا أحد يعرف!


ماذا يفعل الدكتور بارنيا؟
إنه يدفع حدود العلم ويعمل ضد الفرضيات والتصورات التي ثبتناها طوال التاريخ الإنساني، وهي أنك عندما تموت، فإنك تموت وخلاص! يريد هذا العالم الجريء معرفة متى ستكون حيا ومتى ستكون ميتا بالفعل، ويشكك في لحظة الموت أو تعريفه العام المتفق عليه طبيا وأخلاقيا ودينيا، هذا التعريف الذي تقبّله الناس، على مر العصور، على مضض. وهو يريد التدليل على أن هذا التعريف اجتماعي وليس صحيحاً علميا. فلو عدنا إلى الوراء، إلى نهاية القرن التاسع عشر، لوجدنا ان الفيزيائيين الذين يعملون بقوانين الحركة النيوترونية، وكانوا يشعرون وقتذاك بأن لديهم كل الأجوبة عن كل شيء في الكون. وعندما كانوا ينظرون إلى العالم من حولهم، كانوا يجدون الفيزياء النيوترونية كافية جدا لتفسير كل الظواهر، وأكثر الأشياء التي تعاملوا معها. ولكن بعد أن تم اكتشاف الحركة في المستويات الصغيرة جدا – ما بعد مستوى الذرات – وجدوا أن قوانين نيوتن لا يمكن تطبيقها، لذلك احتاج العالم إلى فيزياء جديدة، عندها ظهرت الحاجة إلى فيزياء الكمّ التي سببت الكثير من الخلاف، وبالمناسبة، حتى آينشتين نفسه لم يؤمن بها! عطفا على ما يحدث في بحوث الدكتور سام بارنيا وربطه بالدرس الذي منحتنا إياه الفيزياء، نجد أن مسائل مثل: العقل، الوعي والدماغ تأسست على فرضيات ارتبط بها العقل بالدماغ بنسبة 99% وهذه الفرضيات أجبرتهم على العمل في الوقت نفسه. ولكن ماذا لو جاءت فرضية وأزاحت نشاط الدماغ جانبا وأبقت على العقل؟ قد نجدها نوعا من الهراء، ولكن ماذا لو كانت علما جديدا كظهور فيزياء الكمّ وما رافقها من اعتراض؟ ولماذا لا نعتقد بفيزياء كمّ جديدة في علم العقل كمعجل سي أي آر أن الذي قد يعيدنا إلى جذورنا؟ لماذا لا يعيد العلم ضرباته الكبرى، ما دام لديه التكنولوجيا والوسائل التي يجيز فيها للباحثين التحري والرؤية أفضل من تلك الأزمنة التي كان فيها العلماء يعتمدون بالكاد على الميكروسكوب؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق