الأحد، 28 ديسمبر، 2008

من ينتج مادة البولونيوم المشعة في روسيا؟


يبدو أن ثمة اتفاقا عاما على أن الموظف السابق في جهاز المخابرات الروسية الكسندر ليتفينينكو لقي مصرعه في أحد مستشفيات لندن مسموما بمادة البولونيوم المشعة.وبالطبع في هذه الحالات، امتدت أغلب أصابع الاتهام إلى روسيا، وبالذات لزميله السابق والرئيس الحالي فلاديمير بوتين، متهمة إياه بالضلوع، ولو من باب العلم بما جرى من عملية نادرة الوقوع باستخدام مادة لا يمكن لخبراء الاغتيال العاديين القيام بها، وتتطلب فريق عمل متخصصا لتنفيذها نظرا للحساسية البالغة للعنصر المستخدم فيها.
بحوزة من؟
ولابد من الإشارة إلى أن الحصول على البولونيوم في روسيا متاح للمخابرات والأجهزة الخاصة. فهو ينتج في منشأة 'مياك' في مدينة تشيلابينسك - .70وتخضع عملية إنتاج هذه المادة لرقابة الأجهزة الأمنية ومن المستحيل سرقة كمية منها، وفقا لما قاله مدير الوكالة الروسية للطاقة الذرية سيرغي كيريينكو. ولا تصدرها روسيا إلى الخارج إلا إلى الولايات المتحدة الأميركية. وكانت انكلترا أيضا تشتري البولونيوم من روسيا حتى عام ،2001 وتشتري شركة NRD الأميركية 8 غرامات من مادة البولونيوم 210 في روسيا شهريا.وتوجد مفاعلات تنتج البولونيوم، الذي لم يعد العلماء يهتمون به منذ ستينات القرن الماضي لأن هذه المادة تحتفظ بحيويتها لمدة 138 يوما فقط، في روسيا والولايات المتحدة فقط بحسب رأي الخبراء. ولا يسمح بإخراج البولونيوم من الولايات المتحدة.
دقة فائقة
إن إنتاج البولونيوم صعب للغاية ويتطلب تحصيلا علميا عاليا وخبرة ومعدات ومواد معقدة فهو يعالج خارج الحلول الحامضية بكبريتيد الهيدروجين، كما أن أملاحه قابلة للذوبان في الحوامض ولا يستطيع الماء معالجة هذه الأملاح من هذه المحاليل، ولذلك فإن البولونيوم يعجل بالكامل بالأمونيا وينتج عادة بقصف bismuth-209 بالنيوترون في المعجلات الصغيرة، هذا و ويشكل bismuth-210 الذي له دورة نصف عمر 5 أيام، مصدرا مهما لأنه يتحول من Bismuth-210إلىpolonium- 210 خلال انحطاط البيتا كميات ملليغرام polonium-210 التي أنتجت بهذه الطريقة .يذكر أن البولونيوم يوجد بكميات ضئيلة جدا في خامات اليورانيوم، وهو يتميز بأن عمر النصف له قصير الى حد كبير فهو لا يزيد على 138يوما فقط، ولذلك لا يتم الحصول عليه آلا بكميات ضئيلة، ويتضح ذلك عند مقارنة فترة عمر النصف للراديوم التي تصل الى نحو 1600عام.ولا يمكن دراسة خواص البولونيوم الفيزيائية والكيميائية آلا بعد فصله مباشرة.ويشبه البولونيوم في خواصه الكيميائية عنصر التلوريوم، فيمكن ترسيبه على هيئة الكبريتيد في الوسط الحمضي، ويمكن فصله عن البزموت الذي يوجد عادة مصاحبا له بغمس شريحة من الفضة في محلول كلوريدات الفلزين، فيترسب البولونيوم على هذه الشريحة.ويستخدم مصدرا للنيوترونات في عمليات الطاقة النووية والإشعاع.والبولونيوم - 210 يوجد فى التبغ و يبقى فى جسم المدخن 5000 سنة بالإضافة الى الرصاص و الزنك والمعادن الضارة الأخرى.
الخواص الخطرة جدا
لعل انبعاث أشعة ألفا التي تشحن ايجابيا في جزيئاته هو سر خطورة هذا العنصر الفريد الذي توجد كميات صغيرة جدا منه في التربة والجو، علما بأن كل شخص لديه كمية صغيرة منه في جسده، لكن الجرعات العالية منه كافية لإتلاف الأنسجة والأعضاء، وتاريخيا، يميل الأطباء الى تسميته ب'الراديوم - أف' لغرض التمييز.أستاذ الفيزياء في جامعة سري فيليب واكر علق على حادثة مصرع الجاسوس الروسي بأن المادة اختيرت بعناية لقدرتها على الفتك الحتمي بالشخص الذي ابتلعها. أما عن الخطر الذي قد يلحق بالآخرين الذين كانوا بالقرب من الضحية، قال أستاذ الفيزياء إن هذا العنصر لا يستطيع عبور الجلد وينبغي أن يبلع أو يستنشق حتى يستطيع إلحاق الضرر، ولأن الإشعاع قصير المدى جدا فإنه سيتولى إيذاء الأنسجة القريبة فقط. لكن أستاذ الفيزياء أهمل متعمدا ما يمكن أن نسميه 'الأخطار النظرية' نتيجة خروج العنصر عن طريق البول أو الغائط وغيرها. أستاذ فيزياء آخر هو وليام غيلتلي، قال أن البلونيوم لن يلوث الموظفين الذين ساعدوا الروسي في أيامه الأخيرة مؤيدا بذلك ما أشار إليه فيليب واكر.
كيف وصل إلى بريطانيا.. بل كيف صعد إلى الطائرة؟
ليس واضحا بأنه حلق على طائرات الخطوط البريطانية كمادة خام أو في حاويات خاصة مثل القارورات المجهزة لكبت الإشعاع أو أن الضحية ابتلعه معه وهو يحلق في الطائرة أثناء سفره على سبيل المثال!.جون مايلز رئيس مجموعة الأشعة المحملة جوا في وكالة حماية الصحة البريطانية يعتقد ان كلا السيناريوهين محتملين، اي وجود العنصر في قارورة مغلقة جيدا بحيث لا يمكن للمادة أن تنتشر، أو أن المادة تم حقن الضحية بها أو نشرت على ملابسه لكي يستنشقها، وهنا يعتقد مايلز أن السوائل التي تركها الضحية في البول والقيء كانت الدليل الأول على قوة السيناريوهين معا.
رعب المسافرين
لقد سببت هذه الأدلة رعبا بالغا لدى المسافرين من وجود بقايا هذه الأشعة المميتة، الأمر الذي دفع بالخبراء إلى طمأنة الناس بضرب مثال بسيط لهم لكي يهدأوا بقولهم: ان ما تناوله ليتفينينكو في مطعم السوشي لا يمكنه أن يحلق في كل الطائرات، لاسيما إن كل زبائن هذا المطعم لم يتعرضوا للأذى الذي أودى بحياة الجاسوس الروسي.
أين ينشط؟
للبلونيوم استخدامات صناعية كالسيطرة الساكنة على مصدر الحرارة لتجهيزات الأقمار الصناعية العاملة بالكهرباء، وبالطبع، لا يتوافر هناك من يتعرض للتسمم السهل.يقول أستاذ المواد المشعة في مجلس البحث الطبي البريطاني دادلي غودهيد إن التسمم الذي حصل للجاسوس الروسي جاء بخدمة معجل الجزيئات الذي يعمل بآلية المفاعل النووي نفسها وهذه التكنولوجيا تحتاج إلى وسائل ومختبر متطور جدا. لكنه أردف قائلا: 'من الممكن الحصول على هذه الخدمات من مجهز تجاري متخصص'. ولكن من الناحية العلمية فان البلونيوم 210 إما ان يكون قد انتزع من الصخور ويحتوي يورانيوم مشعا أو انفصل كيميائيا من مادة الراديوم - 226 والاحتمال الأخير يتطلب وسائل مختبر عالية التكنولوجيا فالمادة الأخيرة تنتج مستويات خطيرة من الإشعاعات القابلة للاختراق.
سيناريوهات التسريب
هل توجد 'سوق سوداء' للبولونيوم يمكن المنفذين من اقتناء هذا العنصر الخطير؟تطرح جريدة إزفيستيا سيناريوهين للجواب عن هذا السؤال: الأول أن تنتج مفاعلات صغيرة البولونيوم في بلدان لا تفرض الرقابة الصارمة على المواد المشعة، أما الثاني، هو أن يفتح اللصوص المعدات التي تحوي المشعات المصنوعة من البولونيوم، وهو أمر غاية في الصعوبة نظرا للتهديد الكبير الذي يمثله التعامل مع هذه المادة من قبل غير المتخصصين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق